ابن عساكر

179

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

وكان ابن عمر يقول : هو أعلم الناس بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وشهد ابن عباس مع علي بن أبي طالب عليه السلام صفين وقتال الخوارج بالنّهروان « 1 » ، وورد في صحبته المدائن « 2 » ، وكان ابن عباس إذا قعد أخذ مقعد الرجلين « 3 » ، وكان يخضب بالسواد . قال ابن جريج : كنا جلوسا مع عطاء بن أبي رباح في المسجد الحرام فتذاكرنا ابن عباس وفضله ، وعلي ابن عبد الله في الطواف وخلفه محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس فعجبنا من تمام قامتهما وحسن وجوههما ، قال عطاء : وأين حسنهما من حسن عبد اللّه بن عباس ، ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة وأنا في المسجد الحرام طالعا من جبل أبي قبيس إلّا ذكرت وجه عبد اللّه بن عباس « 4 » ، ولقد رأيتنا جلوسا معه في الحجر إذ أتاه شيخ فديم « 5 » بدوي من هذيل يهدج على عصاه فسأله عن مسألة فأجابه ، فقال الشيخ لبعض من معه : من هذا الفتى ؟ قالوا : هذا عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب . قال الشيخ : سبحان اللّه الذي غيّر حسن عبد المطلب إلى ما أرى . قال عطاء : فسمعت ابن عباس يقول : سمعت أبي يقول : كان عبد المطلب أطول الناس قامة ، وأحسن الناس وجها ، ما رآه أحد قط إلا أحبه . وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره ، ولا يجلس عليه معه أحد ، وكان النديّ من قريش حرب بن أمية فمن دونه يجلسون حوله دون المفرش ، فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو صغير ، لم يبلغ ، فجلس على المفرش فجبذه رجل ، فبكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عبد المطلب - وذلك بعد ما كفّ بصره - : ما لابني يبكي ؟ ! قالوا له : أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه ، فقال عبد المطلب : دعوا ابني يجلس عليه ، فإنه يحسّ من نفسه بشرف ، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده ، ومات عبد المطلب والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ابن ثماني سنين ، وكان خلف جنازة عبد المطلب يبكي حتى دفن بالحجون .

--> ( 1 ) النهروان : أكثر ما يجري على الألسنة بكسر النون ، وهي ثلاثة نهراوانات الأعلى والأوسط والأسفل . وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي ( معجم البلدان 5 / 325 ) . ( 2 ) المدائن : سمتها العرب بالمدائن ، لأنها سبع مدائن بين كل مدينة إلى الأخرى مسافة قريبة أو بعيدة ، وهي اليوم بليدة شبيهة بالقرية بينها وبين بغداد ستة فراسخ . ( معجم البلدان 5 / 75 ) . ( 3 ) الإصابة 2 / 331 . ( 4 ) إلى هنا رواه الذهبي في سير الأعلام 6 / 336 - 337 . ( 5 ) الفدم من الناس ، العيي عن الحجة والكلام في ثقل ورخاوة وقلة فهم .